الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الظاهر لأن مقتضاه : إني أنا الرزاق ، فعدل عن الإضمار إلى الاسم الظاهر لتكون هذه الجملة مستقلة بالدلالة لأنها سيرت مسير الكلام الجامع والأمثال . وحذفت ياء المتكلم من لِيَعْبُدُونِ و يُطْعِمُونِ للتخفيف ، ونظائره كثيرة في القرآن . وفي قوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ طريق قصر لوجود ضمير الفصل ، أي : لا رزّاق ، ولا ذا قوة ، ولا متين إلا اللّه وهو قصر إضافي ، أي دون الأصنام التي يعبدونها . فالقصر قصر إفراد بتنزيل المشركين في إشراكهم أصنامهم باللّه منزلة من يدعي أن الأصنام شركاء للّه في صفاته التي منها : الإرزاق ، والقوة ، والشدة ، فأبطل ذلك بهذا القصر ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ [ العنكبوت : 17 ] ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [ الحج : 73 ] . [ 59 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 59 ] فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) تفريع على جملة وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] باعتبار أن المقصود من سياقه إبطال عبادتهم غير اللّه ، أي فإذا لم يفردني المشركون بالعبادة فإن لهم ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم ، وهو يلمح إلى ما تقدم من ذكر ما عوقبت به الأمم السالفة من قوله : قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ إلى قوله : إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ [ الذاريات : 32 - 46 ] . والمعنى : فإذا ماثلهم الذين ظلموا فإن لهم نصيبا عظيما من العذاب مثل نصيب أولئك . والذين ظلموا : الذين أشركوا من العرب ، والظلم : الشرك باللّه . والذنوب بفتح الذال : الدلو العظيمة يستقي بها السّقاة على القليب كما ورد في حديث الرؤيا « ثم أخذها أبو بكر ففزع ذنوبا أو ذنوبين » ولا تسمى ذنوبا إلا إذا كانت ملأى .